ابن عربي

81

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

قلبك وبدنك ، وأنت محمود ، وإن لم ترض بما قسمت لك ، سلطت عليك الدنيا ، حتى تركض فيها ركض الوحوش في البرية ، وعزتي وجلالي لا تنال منها إلا ما قدّرت لك وأنت مذموم ؛ فعلّق الراحة بالقلب مع البدن ، إذ لا يصح طلب شيء من غير إرادة ، إذ هي المحركة للباحث على البحث والتفتيش ، والإرادة من خاصتك المصرفة لعامتك ، فإن تصرفت في المضمون تصرفا كليا ، لم تتهيأ لامتثال أوامرك عليها ، وعند عدولها عن ذلك كنت لئيما على رعيتك ، على ما يرد في داخل الباب ، فاللّه اللّه ، اجهد أن لا تتعلق لك إرادة إلا بمراد محبوبك من جهة ظاهر الأمر ، وباطن الإرادة بعد وقوع المراد ، المؤدي إلى العلم بأن ذلك الواقع لولا ما سبق في العلم على ذلك ، وتعلقت به الإرادة لما وقع على ذلك الوصف ، مع جواز تبدله في نفسه في وقوعه على غير ذلك ، وهل خلقت الدنيا إلا من أجلك ؟ وخلقك سبحانه من أجله ، فأوجدك له وأوجد الأشياء لك ، أنزل في التوراة : يا ابن آدم ، خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك ؛ قال اللّه تعالى في القرآن العظيم : ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ ، وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) وقال : ( وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) وقال تعالى : ( اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها ) إلى أمثال هذا مما لا يحصى في القرآن كثرة . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 21 ] أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 21 ) ليس لمخلوق أن يشرع ما لم يأذن به اللّه ، ولا أن يوجب وقوع ممكن من عالم الغيب يجوز خلافه في دليله على جهة القربة إلى اللّه إلا بوحي من اللّه وإخبار ، وأما ما اقتضاه نظر المجتهدين من العلماء في الأحكام فإنه بتقرير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فحكم المجتهد من شرعه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي يعطي المجتهد دليله ، وهو الذي أذن اللّه به ، فما هو من الشرع الذي لم يأذن به اللّه ، فإن ذلك كفر وافتراء على اللّه ، وليس الاجتهاد أن تحدث حكما ، هذا غلط ، [ تعريف الاجتهاد المشروع : ] وإنما الاجتهاد المشروع في طلب الدليل من كتاب أو سنة أو إجماع ، وفهم عربي على إثبات حكم في تلك